تركي فيصل الرشيد- Turki Faisal Al Rasheed

رجل أعمال . مقيم في الرياض . رئيس مجلس إدارة شركة الأعشاب الذهبية . مؤسس مركز الناخبين السعودي. يشارك بمقالات لصحيفة الوطن السعودية. Turki Faisal Al Rasheed is a Saudi Businessman live in Riyadh. He is the President/Founder of Golden Grass inc, He is also a Founder and Director of Saudi Voters Center. He is a frequent contributor to AlWatan Saudi Newspaper.

السبت، يوليو 11، 2009

المسؤولية الاجتماعية بين الحكومة والقطاع الخاص

المسؤولية الاجتماعية بين الحكومة والقطاع الخاص
تركي فيصل الرشيد
لا يختلف اثنان على أن الشركات التجارية والاقتصادية والمالية - الوطنية والدولية على حد سواء - ليست شركات خيرية، وأن هاجسها الأول هو تحقيق أكبر عائد من الربح على أصحابها، من هنا استوجب الأمر ضرورة تذكير تلك الشركات بمسؤولياتها الاجتماعية والأخلاقية، حتى لا يكون تحقيق الربح عائداً من أمور غير مقبولة أخلاقياً أو قانونياً كتشغيل الأطفال والإخلال بالمساواة في الأجور وظروف وشروط العمل والحرمان من الحقوق الأساسية للفرد. علاوة على ذلك، فإن الدور الرئيس الذي تلعبه الشركات كونها المصدر الرئيس للثروة وتوليد فرص العمل يحتّم عليها القيام بواجباتها الاجتماعية وفقاً للمفاهيم الحديثة.
من هنا ظهر مفهوم المسؤولية الاجتماعية وإن اختُلف في تعريفه باختلاف وجهات النظر في تحديد شكل هذه المسؤولية، بين من يراها بمثابة تذكير للشركات بمسؤولياتها وواجباتها إزاء مجتمعها، وآخرين يرون أن مقتضى هذه المسؤولية لا يتجاوز مبادرات اختيارية تقوم بها الشركات بإرادتها المنفردة تجاه المجتمع. وفريق ثالث يعتبرها صورة من صور الملاءمة الاجتماعية الواجبة على الشركات.
وحتى وقتنا الراهن، لم يتم تعريف مفهوم المسؤولية الاجتماعية تعريفاً يكتسب قوة إلزام قانونية وطنية أو دولية رغم الحاجة لذلك، ولا تزال هذه المسؤولية في جوهرها أدبية ومعنوية، أي أنها تستمد قوتها وقبولها وانتشارها من طبيعتها الطوعية الاختيارية. وقد اكتسب الدور الاجتماعي للشركات والقطاع الخاص أهمية متزايدة بعد تخلي الحكومات عن كثير من أدوارها الاقتصادية والخدمية التي وازتها بطبيعة الحال برامج اجتماعية كان ينظر إليها على أنها أمر طبيعي ومتوقع في ظل انتفاء الهدف الربحي للمؤسسات الاقتصادية التي تديرها الحكومات، وإن كانت في كثير من الأحيان تحقق إيرادات وأرباحاً طائلة.
ونجاح قيام الشركات بدورها في المسؤولية الاجتماعية يعتمد أساساً على التزامها بثلاثة معايير هي: الاحترام والمسؤولية تجاه العاملين وأفراد المجتمع، دعم المجتمع ومساندته، حماية البيئة سواءً من حيث الالتزام بتوافق المنتج الذي تقدمه الشركة للمجتمع مع البيئة أو من حيث المبادرة بتقديم ما يخدم البيئة ويحسن من الظروف البيئية في المجتمع ومعالجة المشاكل البيئية المختلفة. ومن هذا المنطلق تبنى الاتحاد الأوروبي استراتيجية وأصدر قوانين تزاوج بين الاقتصاد والمجتمع والبيئة والتنمية المستدامة، إلى جانب تنوير العميل لكي يساعد الشركات التي تلتزم بتلك المعايير، وتبنى شعار الوردة لكي ترسخ الصورة في أذهان السكان.
ومع هذا التوجه العالمي كثر الجدل بين الخبراء والأكاديميين والباحثين من مؤيدين ومعارضين، إذ يشير البعض إلى أن المسؤولية الاجتماعية تفيد الشركة على المدى البعيد من عدة طرق لا تحسب بحساب الربح والخسارة السريع. ويرى آخرون أن المسؤولية الاجتماعية لا تدخل ضمن حساب الربح والخسارة، وعليه يجب ألا تدخل ضمن المسؤوليات التجارية، فيما يعتقد البعض أن الموضوع مجرد تجميل زائف للشركة وآخرون يرونه تخفيفاً للعبء واللوم على الحكومة التي يجب أن تقوم بهذه الأعمال والمسؤوليات، فالمسؤولية الاجتماعية هي مسؤولية الحكومة، حيث إنها تجني الضرائب والرسوم من القطاع التجاري لذا فهي مسؤولية الحكومة.
وفي دولنا الخليجية قامت البحرين والكويت والإمارات وعمان باعتماد المعايير العالمية الجديدة المتضمنة معايير المسؤولية الاجتماعية، بتضمين أربعة جوانب أساسية للمسؤولية الاجتماعية وهي الجانب الثقافي والجانب الاجتماعي الحضاري والجانب البيئي والقانوني وشروط أخرى متعلقة بالتنمية الاقتصادية، أما السعودية فتحاول تطبيق المعايير الخاصة بها. وعلى رغم الدور الواسع للحكومات في دول الخليج في الرفاهية والتنمية والرعاية الاجتماعية فقد تواصلت فيها المساهمات التنموية والاجتماعية للأفراد والشركات، وعندما حققت هذه الدول تقدماً اقتصادياً بدأ الدور الاجتماعي والتنموي لمجتمعاتها وشركاتها يتعدى إلى المجتمعات والدول الأخرى في جميع أنحاء العالم، ويمكن اليوم ملاحظة مئات الآلاف من المساجد والمدارس والمراكز الطبية وآبار المياه والمشروعات الإغاثية والتنموية بتمويل مجتمعي فردي ومؤسسي خليجي.
ورغم ضخامة حجم القطاع الخاص السعودي، إلا أن حركة "عجلة" المسؤولية الاجتماعية لهذا القطاع ما زالت بطيئة، ولا تساير حجم نمو نشاطه وأرباحه الطائلة.
وتعود محدودية دور الشركات السعودية إلى أسباب كثيرة، يأتي في مقدتمها ضعف الوعي إن لم يكن غيابه لدى الكثير من الشركات بالمسؤولية الاجتماعية والخلط بينها وبين العمل الخيري، على رغم الأرقام الاقتصادية المرتفعة في المملكة، حيث يقدر عدد المنتسبين في جميع الغرف التجارية بالمملكة بحولي 100 ألف منتسب. كما بلغ عدد السجلات التجارية في المملكة بحولي 600 ألف سجل تجاري، وتوضح مصلحة الزكاة والدخل أن حصيلة الزكاة خلال الثلاث سنوات الماضية بلغت 11 مليار ريال وهي تخصص بالكامل للضمان الاجتماعي، كما أنها حصلت على إيرادات ضرائب الدخل على الشركات العاملة في مجال البترول وإيرادات ضرائب الدخل على الشركات الأجنبية الأخرى بمبلغ 300 مليار ريال خلال السنوات الثلاث الماضية.
أخيراً: مع تعاظم هذا الدور للشركات يجب عليها الإفصاح في ميزانياتها عن حجم الأعمال الخيرية والمسؤولية الاجتماعية، كما يجب أن تخضع لقوانين واضحة وضوابط لكي لا يترك المجال لسوء النية، مع توافر البيئة الملائمة، فالقوانين والتشريعات مهما كانت محكمة فإنها لا تحمي المجتمعات والحقوق ولا توفر وحدها الأمن والثقة، ولكنها حين تعمل في بيئة أخلاقية فإنها تحقق كفاءة عالية في التنمية والإصلاح.
ختاما: لكي يتم تفعيل دور الشركات يجب أن تعطى تلك الشركات الحرية في إعطاء جزء من زكاتها أو ضرائبها أو الحق بتوزيعها وصرفها بحسب قائمة المستفيدين المعتمدة من قبل الدولة، وهذا مطبق في العديد من الدول، فالقانون المصري على سبيل المثال بحسب المادة 23 من قانون الضرائب الحالي ينص على الحق بخصم التبرعات والمنح بحد أقصى 10% من إجمالي الدخل الخاضع للضريبة.
كما من الضروري لتعميق وتأصيل مفهوم المسؤولية الاجتماعية وتحفيز قطاع الأعمال لتبني برامج منظمة في خدمة المجتمع، وتبني مشروع وطني لخدمة المجتمع يقوم بتنفيذه القطاع الخاص، إضافة إلى تحديد المعايير والجمعيات والهيئات والجامعات التي ستستفيد من حق الانتفاع لتفعيل العمل في مجال خدمة المجتمع، وإعطاء كل شركة أو مؤسسة تجارية الخيار لمن تدفع زكاتها، لكي يتم التفاعل الاجتماعي، شريطة أن تتقيد بقائمة موافق عليها من وزارة المالية للمؤسسات والجامعات.
نشر في صحيفة الوطن السعودية

السبت، يوليو 04، 2009

الشركات العائلية بين الاستثمارات الجديدة والمحافظة على الإنجاز

الشركات العائلية بين الاستثمارات الجديدة والمحافظة على الإنجاز


تركي فيصل الرشيد
اتصل بي صديق يطلب المشورة حيث قرر إنشاء مشروع، وللحق هو إنسان ناجح ويملك ثروة يقدر حجمها بأكثر من ألف مليون ريال، فأوضحت له أن المشروع قد يكون مربحاً إلا أنه سيحتاج منه مجهوداً لا يقل عن ثلاثة آلاف ساعة عمل خلال السنتين الأوليين। وقادنا الحديث إلى مصير الثروات العائلية عند وفاة المؤسسين، فأوضحتُ له أن الدراسات تشير إلى أن 6% فقط من أصحاب الشركات العائلية هم من يحافظون على ثرواتهم بعد انتقال الثروة إلى الجيل الثاني، وهو ما لم يودّ سماعه فأنهى المكالمة، ليعاود الاتصال بي بعد فترة وهو يصر على لقاء مطول، فوافقت كأحد حقوق صديقي عليّ ودار حوارنا حول الشركات العائلية.

والواضح أن الشركات العائلية في الخليج لا تزال مترددة في تغيير نموذج أعمالها، خاصة أن معظمها وصل إلى الجيل الثاني والثالث بعد التأسيس، وهو ما يشكل خطراً على هياكلها وتوزيع ملكيتها، وبالتالي بروز خلافات بين الورثة وتقسيمها وهذا ما حصل بالفعل مع شركات عائلية عريقة ومعروفة।

وترى الشركات العائلية أن الإطار التشريعي السائد في المنطقة عموما لا يوفر لها الحماية اللازمة واستمرارية نمط أعمالها إن سمحت لمستثمرين من خارج العائلة بشراء حصص فيها أو فكرت بطرح جزءٍ من أسهمها في السوق، ولكن مع اتجاه معظم حكومات المنطقة إلى إرخاء قيودها الاقتصادية بصورة عامة ومحاولة تشجيع الشركات العائلية بصورة خاصة على دخول مرحلة جديدة من النمو والتوسع، فقد أصبحت 20 في المئة من الشركات العائلية في المنطقة مهيأة تماماً لدخول سوق الإصدارات الأولية، وذلك وفقا لنتائج استبيان أجرته "إرنست آند يونج"।

والمدهش في نتائج الاستبيان أن 50% من المشاركين فيه اتفقوا على أن طرح أسهمهم للاكتتاب العام يعتبر أمراً مهماً بالنسبة لاستمرار ونمو شركاتهم। وفي السياق ذاته، دلت النتائج على أن 73% من الشركات العائلية في المنطقة تُدار من قبل أفراد الجيل الثاني من العائلة، في حين أن 48% منها يتولى إدارتها أفراد العائلة من الجيل الأول، و20% من الشركات تدار من قبل الجيل الثالث. وفيما يتعلق بمسائل الإدارة والتعاقب فيها، فإن 16 في المئة فقط ممن شملهم الاستبيان أقروا أن هناك هيكلية واضحة فيما يتعلق بالإدارة والخلافة من جيل إلى آخر وخطط انتقال الملكية، وهذا يشير إلى فجوة كبيرة سببها تلك النسبة المتدنية.

ومما يدل على خطورة وأهمية وضع الشركات العائلية ما ناقشه التقرير الصادر عن مصرف بيكتيه وشركاؤه السويسري، وتضمن أن نحو 3 تريليونات دولار أميركي هي حجم الثروات الخليجية ستنتقل إلى الجيل التالي خلال فترة الخمس إلى السبع السنوات المقبلة، ووفقاً للتقرير فإن الشركات التي تديرها أو تمتلكها عائلات خليجية، والتي تشكل أكثر من 85% من إجمالي النشاط التجاري في المنطقة، تقترب من منعطف الأجيال الحاسم الذي بلغته نظيراتها الغربية قبل عقدين من الزمان، علماً أن الشركات العائلية تخضع لنفس الأحكام والأوضاع سواء في الشرق أو في الغرب।

وفيما يتطلع بعض المؤسسين ومالكو الشركات إلى حماية ثرواتهم التي سعوا جاهدين لبنائها على مدى سنوات طويلة تشير التقديرات العالمية إلى أن 30% فقط من الأعمال العائلية تستمر بنجاح بعد الجيل الأول، وأن أقل من 6% تبقى بعد الجيل الثاني، مستشهدة بقائمة مجلة فوربس لأغنياء العالم، التي لا تضم اليوم سوى 5% تقريبا من الأسماء التي احتلت القائمة في الثمانينات، ما يعني أنه بعد نهاية الجيل الثاني ستتبدد ثروات 94% من أصحابها وستذهب سدى، ومجال الاستشهاد واسع وبحالات معروفة لنا جميعاً لا مجال لذكرها هنا।

إن العائلات الخليجية أدركت أن مجرد امتلاك الثروة ليس كفيلاً وحده بتحقيق نمو مجزٍ، أو حتى الحفاظ على هذه الثروة، في ظل الأجواء الاقتصادية الصعبة التي تسود العالم اليوم। وقد استثمرت بعض هذه العائلات على مدى السنوات العشرين الماضية في طيف واسع من المنتجات الفردية التي شكلت نوعاً من الحل لتخطيط انتقال الميراث، ولكن هذه المنتجات ليست كل الحل، وهو ما يؤكد أن حجم وتركيبة العائلات الخليجية وميزان ثرواتها تتطلب درجة عالية من التطور، تفوق ما يمكن للمنتجات الفردية أن تقدمه، فهي بحاجة إلى مشورة تتعلق بتوزيع الثروات النوعية والكمية، واستراتيجية المحافظ الاستثمارية، وبالأسواق المالية، وبالتالي لم تعد الحاجة إلى مكتب العائلة لإدارة الاستثمارات والصناديق العائلية مسألة كمالية، بل غدت استراتيجية أساسية للحفاظ على الثروة.

والخطوة الأولى التي تسبق تقديم الحلول للشركات العائلية هي القيام بتحليل الأداء والهيكلية الاستثمارية للمحفظة الحالية، بدءا بمراجعة التوزيع الاستراتيجي الحالي للأصول، والسياسة الاستثمارية للمحفظة، وتقديم المشورة حول المخاطر والإيجابيات التي تنطوي عليها। وبناءً على النتائج والخبرة ومعطيات السوق والأبحاث حول العائدات المتوقعة، يمكن حينها صياغة تشخيص مبدئي للمحفظة، فنجاح إدارة الثروات العائلية يكمن في تجاوز العائلات الخليجية تحفظاتها التقليدية وتكتمها المعتاد، لتتسنى لها مناقشة مجمل الأسئلة المتعلقة بالتعاقب والتوريث بصراحة مطلقة.

كما من المهم تأسيس هيكلية أخرى تهدف إلى تنمية ثروة العائلة على مدى عقود عديدة، ويتم ذلك من خلال تحديد المخاطر والعائدات المستهدفة على المدى الطويل، مع الأخذ بعين الاعتبار عوامل مختلفة، مثل الأهداف الشخصية والمهنية لكل واحد من أفراد العائلة، وعدم ركون العائلات إلى إدارة استثماراتها بنفسها، أو بالاستعانة بمحاسبين غير مختصين أو ببرامج حسابية بدائية كأداة أساسية لإعداد التقارير وتحليل وتقييم محافظهم الاستثمارية।

أخيراً
على الدولة دور هام في الحفاظ على هذه الشركات كإحدى دعائم الاقتصاد، بتسهيل انتقال المؤسسات الفردية والشركات الخاصة القائمة إلى شركات مساهمة مغلقة أو مفتوحة، ويجب أن يعي أصحاب القرار أن الشركات العائلية هي إحدى ثروات المجتمع، فلا نكتفي بالحسد والغيرة والتشفي وترك الورثة يدمرون ثروات المجتمع إذا أخذنا في الاعتبار أن أكثر من 75 في المئة من الشركات بمنطقة الشرق الأوسط تديرها عائلات وأن إجمالي أصولها تفوق ثلاثة تريليونات دولار।

ختاماً
في رأيي الشخصي أن يستثمر الشخص الكثير من الوقت للمحافظة على الثروة، بعمل هيكلة لشركاته وإخضاع أفراد عائلته إلى دورات مكثفة للمحافظة على الثروة وتحديد وقت محدد لمناقشة القرارات الهامة الخاصة بالشركة أفضل له من الاندفاع في استثمار جديد وترك مجهود وثروات أفنى عمره في بنائها في مهب الريح بعد سنوات ليست بعيدة.
نشر في صحيفة الوطن السعودية

الجمعة، يوليو 03، 2009

مجلس الأمن الوطني... متى يُؤتي أُكله؟

مجلس الأمن الوطني... متى يُؤتي أُكله؟


يظل مجلس الأمن الوطني السعودي لأكثر من ربع قرن دون أي ذكر أو نشاط حتى إن أغلب السعوديين لا يعرفون بوجوده على رغم انه يوجد في هذا الجهاز الكثير من الموظفين يتمتعون بكامل المميزات والانتدابات

بقلم تركي فيصل الرشيد


قبل سنوات عدة كان العاهل السعودي أعلن إعادة تنظيم مجلس الأمن الوطني السعودي كخطوة جديدة وجيدة في الطريق الصحيح ضمن سعي القيادة بالمملكة إلى تحسين آلية صناعة القرار الأمني والسياسي في الدولة। وجاءت هذه الخطوة كذلك في سياق إعادة هيكلة مؤسسات الدولة وتطويرها استجابة للتغيرات الجذرية التي تشهدها البيئة الداخلية والإقليمية والدولية المحيطة بالمملكة، وذلك على النحو الذي يجعلها قادرة على التعامل بفاعلية مع التحولات الخطيرة والسريعة التي تشهدها المنطقة، وعَيّن الملك عبدالله بن عبدالعزيز الأمير بندر بن سلطان أميناً عاماً لمجلس الأمن الوطني السعودي بمرتبة وزير، خلفاً لسعد الناصر السديري الذي كان أميناً عاماً للمجلس وعين رحاب بن محمد إبراهيم مسعود نائباً مساعداً للأمين العام لمجلس الأمن الوطني بالمرتبة الممتازة।

يشبه هذا المجلس في مهامه مهام مستشار الأمن القومي الأميركي، إذ إن الرئيس ورغم إدارته الكاملة لشؤون البلاد هناك إلا أنه ليس دائمًا على صواب، وذلك ما أكدته خبرات العديد من الإدارات الأمريكية। فالرئيس لا يعلم كل شيء وهو بحاجة لمستشارين أكفاء يحمونه من نفسه.


إضافة إلى ذلك، فإنه من الضروري أن يقوم مستشار الأمن القومي بإدارة القرارات التي تخص قضايا الأمن الخارجي والداخلي، وأن يُسهم في خلق خيارات حقيقية وواقعية، إلى جانب قيامه بالإشراف على القرارات التي يتخذها الرئيس، فنحن نعيش في عالم يحتاج الرئيس فيه إلى مجموعةٍ من الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاستخباراتية من أجل عمل الخيارات، وهذه وظيفة مجلس الأمن القومي।


وبناء على ذلك فإن مجلس الأمن الوطني السعودي يعتبر هيئة استشارية تقوم بإعداد الدراسات الإستراتيجية للشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية، ويتم إثر ذلك رفع توصياتها مباشرة للملك، وهو المجلس المسؤول عن وضع سياسات الدفاع بالمملكة، وأعضاؤه يمثلون كل مفاصل الدولة المحورية।


ومن مهام هذا المجلس التخطيط للسياسة الأمنية على الصعيدين الداخلي والخارجي ودراسة وتقويم الأحداث والتطورات داخل المملكة وخارجها، مما له تأثير مباشر على أمن المملكة ومصالحها، وتحديد اختصاصات ومسؤوليات كافة أجهزة الأمن والتنسيق بينها، والتحقيق والتفتيش على كافة الأجهزة الأمنية بتوجيه من رئيس المجلس وذلك في حالات هي: الخروج بالجهاز عن مسؤولياته، الإهمال والمخالفات الخطرة، العبث بالإمكانات، نشوء أو اكتشاف حالة داخل أحد الأجهزة الأمنية تهدد الأمن العام والمصالح العليا للوطن لتحديد المسؤولية، وتحديد هيئات الاستخبارات الأجنبية الصديقة التي يمكن للأجهزة الوطنية المماثلة التعاون معها في مجالات تبادل المعلومات والخبرات، ودراسة المعلومات المتوافرة عن نوايا العدو تجاه المملكة، وتحليلها لتقرير مدى تأثيرها على أمن المملكة وسلامة شعبها وصيانة مصالحها ووحدة أراضيها، وغيرها من المهام الشائكة المتعلقة بالأمن الوطني بمفهومه الشامل।


وبهذا المجلس حديث التنظيم تُعدُّ السعودية الأولى، عربياً على الأقل، التي تبني تنظيماً حديثاً يؤطر عملية التنسيق بين أجهزتها المختلفة।


وبالنظر إلى دور مجلس الأمن الوطني السعودي بتنظيمه الذي أعلنته الحكومة السعودية، فإنه يصبح من خلال هذه الآلية محور ارتكاز حيوي للسياسات الكُبرى التي ترتكز عليها الدولة السعودية، والتي يطالُ هذا المجلس كل مفاصلها المهمة، كما أنه سيكون غرفة العمليات الأكثر ديناميكية والخاصة بأركان الحكومة السعودية إزاء المستجدات على الصُعد كافة، خصوصاً في المناحي ذات الصلة بشؤون الأمن والدفاع، وهو بذلك يستمدُّ قوة لا محدودة على اعتبار أنه ذو صلة مباشرة بالملك عبدالله بن عبدالعزيز، الهرم الأعلى في سلسلة تراتبية الحكم في السعودية।


وقد صرح الأمين العام السابق لمجلس الأمن الوطني السعودي سعد الناصر السديري بأن المسؤولين السعوديين قد وفقوا في اختيار الأمير بندر بن سلطان خليفةً له في تولي الأمانة العامّة للمجلس الوطني، معتبراً أن خلَفَه الأمير بندر يمتلك خلفيات كثيرة وتجارب دولية ستعود بالنفع الوفير على المجلس، وخصوصاً أن المجلس له نشاطات عدة تتعلق بالشؤون الدولية। وتوقع الكثيرون أن المنصب سيعززه الأمير بندر بخبرته الطويلة في واشنطن ليكون منصباً ذا فعالية أكبر ليشابه إلى حد كبير المهام التي يضطلع بها مستشارو الأمن القومي في العالم.


ولكن مع الأسف ظل مجلس الأمن الوطني السعودي لأكثر من ربع قرن دون أي ذكر، حتى إن أغلب السعوديين لا يعرفون بوجوده منذ تأسس في فترة سابقة، على رغم انه يوجد في هذا الجهاز الكثير من الموظفين يتمتعون بكامل المميزات والانتدابات ورغم ذلك لم نسمع له أي نشاط।


ويتساءل الكثير عن دور المجلس بالنسبة للمواطن العادي وهل توجد لدى المجلس إستراتيجية واضحة؟ وعن نفسي بكل أسف لم أجد الجواب الشافي।


أخيراً

إعادة تنظيم أو تفعيل مجلس الأمن الوطني تعتبر مسألة في منتهى الأهمية بالنسبة لدولة كبيرة ومهمة كالمملكة। فسياسة المملكة الأمنية والدبلوماسية تدور في دوائر وحلقات عدة متشابكة، جميعها ذو أهمية قصوى وذو تأثيرات خطيرة بالنسبة للاستقرار والأمن الإقليمي والدولي. والمملكة لم تكن في يوم من الأيام ومنذ تأسيسها دولة هامشية، ولن تكون كذلك، وهذا قدرها. ومن الواجب والحكمة ملء هذا الدور بشكل فعال ومؤثر. فدورها القيادي في العالم الإسلامي لا يمكن أن يجعل منها دولة هامشية مهما حاولت أو تمنت الأطراف الأخرى.


وعلى ضوء التحديات الأمنية والسياسية الخطيرة التي تواجهها اليوم المملكة والمنطقة برمتها، نجد أن قرار إعادة تنظيم وتفعيل مجلس الأمن الوطني كانت خطوة مباركة حيث إن خارطة المنطقة تواجه اليوم تحدياً يهدف إلى إحداث تغيرات جذرية وحاسمة في التوازنات الإستراتيجية الإقليمية والدولية التي حكمت المنطقة لعقود عدة مضت، لذا فإن المهمة التي تواجه مجلس الأمن الوطني ستكون كبيرة وخطيرة في حماية مصالح المملكة الحيوية ومصالح الأمتين الإسلامية والعربية في خضم بحر التغيير الجاري والقادم مستقبلاً.

ختاماً


على رغم كل ما ذكر أعلاه وصلاحيات لا محدودة على الورق لم يقم هذا المجلس بأي عمل يذكر خلال ربع قرن والآن مرت السنوات ولم يقم المجلس بأي نشاط، وهو ما يجعله أمام خيارين أما التفعيل وأما الإلغاء.

كاتب سعودي

السبت، يونيو 27، 2009

بين مكتملي العقل وناقصات العقل

بين مكتملي العقل وناقصات العقل
تركي فيصل الرشيد
لكل من الرجل والمرأة طريقة مختلفة في التفكير، إلا أن كل منهما يكمل الآخر، وما يستدعي هذا الحديث أنه اشتهر في كثير من المجتمعات الإسلامية غير المتطورة أو المتخلفة المجادلة والادعاء بأن المرأة ناقصة عقل، دون السعي إلى إدراك المقصود الحقيقي من هذا القول لنبينا الكريم.
وارتبط التفكير العاطفي للمرأة غالباً في أذهاننا بالرومانسية وعدم القدرة على تغليب العقل على المشاعر، إلا أن الدراسات أثبتت أن الأمر ليس كذلك، فالمرأة والرجل كل منهما تحكمه آلية تفكير، للجينات ولطبيعة الدماغ دور فيها. ووفقاً للبروفيسورة الأمريكية سوزان هوكسيما فإن الفارق بين طريقة تفكير المرأة وطريقة الرجل هو أن المرأة تبدأ غالباً عند مواجهة مشكلة ما بمحاولة التفسير والتحليل والربط بمشاكل أخرى مع طرح تساؤلات حول سبب وقوع المشكلة، وذلك ناتج عن أن الرجل يستخدم الجانب الأيسر من عقله وصفاته هي (الأرقام – التحليل – الترتيب – الخدمات التي يقدمها – القرارات – التخطيط – الواقعية)، بينما المرأة تستخدم الجانب الأيمن من عقلها وصفاته (العاطفة - الخدمات – الخيال – الإبداع - التناسق – الألحان – الذوق) وأثبتت الدراسات أنه بالتدريب يكون الإنسان قادراً على تشغيل النظامين معاً.
فعندما تحكي المرأة قصة معينة أو موقفاً عابراً فإن الرجل يعتقد أنها تنتظر أو تريد منه في النهاية حلا أو علاجا للمشكلة، بينما هي تحكي لمجرد أنها تريده أن يسمع لما تقوله، حيث ينظر الرجل إلى الأمور أو إلى الصورة بشكل متكامل، أما المرأة فتنظر إلى تفاصيلها، إذاً طبيعة الرجل هي الشمولية بينما طبيعة المرأة التفاصيل.
ويفسر العلماء الاختلاف في طريقة التفكير بين الرجل والمرأة بأنه نتيجة للاختلاف في استخدام المخ وتشغيله، حيث من المعروف أن مخ المرأة أصغر في حجمه من مخ الرجل بنسبة 10 إلى 15 في المئة ولكن مخي الرجل والمرأة يقومان بالوظائف نفسها وإنْ بشكل مختلف، ومن خلال المقارنة بين مخي الرجل والمرأة علمياً نجد علميا أن الرجل حين يركز تضيء مناطق محددة من خلايا مخه أما التركيز عند المرأة فيحتاج إلى إضاءة خلايا أكثر عدداً، بدليل أن الرجل حين يركز تماماً على شيء ما، لا يستطيع ملاحظة أي شيء غيره، فعندما يستغرق الأزواج في مشاهدة مباراة في كرة القدم على التلفزيون لا يسمعون صراخ أطفالهم أو صوت جرس التليفون الذي يرن بجوارهم.
ومن الضروري لكلا الطرفين أن يدرك طريقة الآخر في مجال التعبير عن المشاعر، حيث يميل الرجل إلى التصرفات الجسدية في حين تلجأ المرأة إلى تكتيكات كلامية فاللجوء إلى الضرب كتعبير عن الغضب هو من سمات النظام العصبي في مخ الرجل أما عندما تعبر المرأة عن غضبها بالكلام فهذا التصرف هو من خصائص النظام العصبي الأكثر تطوراً الذي يتمتع به مخ المرأة.
وتتميز المرأة عن الرجل بقوة الملاحظة، فهي حين تسير تتلفت أكثر من الرجل إلى أسماء المحال والمتاجر والمقاهي والشوارع، وإذا ذهب رجل وزوجته للبحث عن مكان ما فإن المرأة تتذكر بعض العلامات التي يمكن بواسطتها الوصول إلى الهدف.
وتشير الدراسات إلى أنه في سن الشيخوخة يبدأ حجم المخ في التناقص عند الرجل أسرع من تناقص حجمه عند المرأة، والغريب أن الرجل يصبح مشاكساً أكثر كلما نقص حجم دماغه، في حين يبقى مخ المرأة يعمل بكفاءة نسبية أفضل ويتقلص بنسبة أقل، مما يستوجب التفريق بين ما هو التفكير؟ وما هو العقل؟ وما هو الذكاء؟
فالتفكير هو عملية ذهنية يتفاعل فيها الإدراك الحِسّي مع الخبرة والذكاء لتحقيق هدف، ويحصل بدوافع وفي غياب الموانع، حيث يتكون الإدراك الحسي من الإحساس بالواقع والانتباه إليه، أما الخبرة فهي ما اكتسبه الإنسان من معلومات عن الواقع ومعايشته له، وما اكتسبه من أدوات التفكير وأساليبه، وأما الذكاء فهو عبارة عن القدرات الذهنية الأساسية التي يتمتع بها الناس بدرجات متفاوتة. ويحتاج التفكير إلى دافع يدفعه، ولا بد من إزالة العقبات التي تصده وتجنب الوقوع في أخطائه بنفسية مؤهلة ومهيأة للقيام به، وهذا التصور للتفكير يتعلق بالإنسان بغض النظر عن كونه رجلا أو امرأة، فهو ينطبق على كل منهما على حد سواء. ولا تَدُل معطيات العلم المتعلقة بأبحاث الدماغ والتفكير والتعلم على أي اختلاف جوهري بين المرأة والرجل من حيث التفكير والتعلم، كما لا تدل على اختلافٍ في قدرات الحواس والذكاء، ولا في تركيب الخلايا العصبية المكونة للدماغ، ولا في طرق اكتساب المعرفة. معنى هذا أن المرأة والرجل بالفطرة سواء من حيث عملية التفكير، ولا يتميز أحدهما عن الآخر إلا في الفروق الفردية.
كما أن العقل في مفهوم القرآن والسنة هو أوسع من مجرد التفكير، إذ لفت المفهوم الانتباه للتفكير من أجل العمل، فالرجل صاحب الإرادة المنفذة والمرأة صاحبة الإرادة المحركة، فكثيراً ما نرى المرأة تلعب دوراً أساسياً في التدبير والتخطيط والتوجيه والإيحاء للرجل، ثم يقوم الرجل بتحويل كل هذا إلى عمل تنفيذي وهو يعتقد أنه هو الذي قام بكل شيء.
وفي الدول المتقدمة يكون الكثير من المناصب القيادية التي تختص بالقضايا الإنسانية من نصيب النساء، فنجد أن سياسات تلك الدول تمزج بين النظرة الشمولية للرجل والنظرة التفصيلية للمرأة، كما أضافت المرأة على الكثير من السياسات التجارية والسياسية اللمسات الإنسانية وأدت دوراً هاماً في المنظمات العالمية والمنظمات غير الحكومية.
أخيراً: ذكر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن امرأة منهن جَزْلة ناقشته، والجزلة - كما قال العلماء - هي ذات العقل والرأي والوقار، فكيف تكون هذه ناقصة عقل وذات عقل ووقار في الوقت نفسه؟ أليس هذا مدعاة إلى التناقض؟ كما تعجب الرسول صلى الله عليه وسلم من قدرة النساء، وأن الواحدة منهن تغلب ذا اللب أي الرجل الذكي جداً. فكيف تغلب ناقصة العقل رجلاً ذكياً جداً؟
ختاماً: الهدف من هذا الطرح هو إيجاد آلية للتعامل مع مشكلاتنا الاجتماعية والاقتصادية، أما وقد عجزنا عن أن ندخل الفكر النسائي في وضع استراتيجيتنا فعسى أن ننجح في تطبيق الفكر النسائي في حل بعض مشكلاتنا. فالرجل يكمل ما ينقص المرأة، والمرأة كذلك دون أن يتساويا.

نشر في صحيفة الوطن السعودية

السبت، يونيو 20، 2009

خوفـاً على اليمن

خوفـاً على اليمن
تركي بن فيصل الرشيد
على رغم انه لا تربطني علاقات شخصية بفخامة الرئيس علي عبدالله صالح وإن التقينا من قبل لقاء عابراً، إلا أنني أحببت إن أخاطبه عبر صفحة الرأي في صحيفة الوطن حفاظاً على تاريخه وخوفاً على اليمن .
وأتذكر عندما اجتمع الرئيس عبدالله صالح بالملك فهد للمرة الأولى بعد انتهاء حرب الانفصال قال لخادم الحرمين: "الفارق بيننا وبينكم أنكم في السعودية تملكون وتحكمون بينما نحن في اليمن لا نملك ولا نحكم إنما نحن ندير". فهل بالفعل انك لا تملك ولا تحكم الآن؟! إن القليل من الزعماء له مثل تاريخ الرئيس علي عبدالله منذ المحطة الأولى التي قادته إلى السلطة في صيف 1978 بعد مقتل الغشمي ورفضه قصف صنعاء ثم توّج تاريخه بتوحيد اليمن وترسيم الحدود.
إلا انه بحسب تقرير الدول الفاشلة لعام 2008 (وهي الدول التي لا يمكنها السيطرة على أراضيها، وتعجز حكومتها عن اتِّـخاذ قرارات مصيرية وهامة مع عدم قدرتها على إحداث تأثير في حياة المواطنين وتقديم الخدمات الأساسية لمواطنيها، إضافة إلى انتشار الجريمة والفساد بداخلها وفشلها في التعامل بفعالية مع المجتمع الدولي) فإن اليمن خرجت توّاً من الدائرة الحمراء إلى الدائرة البرتقالية (الدول التي تشهد مؤشرات خطرة قد تقود لانهيارات محتملة، وتضم عدة دول عربية من بينها اليمن التي احتلت المرتبة 21) ولا تزال تحتلّ موقع الدولة الأولى بعد الدول المنهارة، ويصف التقرير وضعها بصورة يبدو معها أنها مُـقْدِمة على تدهور وشيك، ولديها بالفعل مشكلات داخلية لا نهاية لها.
والمتأمل في الوضع العام في اليمن في هذه الفترة يلحظ أنه يتعلق بمواجهات مسلحة وأعمال عنف متواترة وتردي بيّن للمؤشرات الاقتصادية والاجتماعية لغالبية السكان مع انسداد الأفق السياسي، حيث هناك المواجهات المسلحة المتكررة منذ عام 2004 بين القوات الحكومية وحركة الحوثيين في محافظة صعدة الشمالية والنشاط الإرهابي المتنامي لتنظيم القاعدة، وكذلك الحراك المعارض في الجنوب والذي تحول جزئياً من تعبير عن مطالب اقتصادية واجتماعية لبعض الفئات المتضررة من الوحدة اليمنية إلى حالة انفصالية توظف العنف في مواجهتها مع الحكومة المركزية، وأدى ذلك كله إلى تراجع قدرة الدولة اليمنية على ضمان الأمن وفرض عليها توظيف إمكاناتها المحدودة تاريخيا لحماية ركيزتي وجودها الأساسيتين، الوحدة والسلم الأهلي.
من جهة أخرى استمر إخفاق الدولة في مواجهة ظاهرة الفساد التي استشرت في المؤسسات العامة (تحتل اليمن المركز 140 من بين 181 دولة يدرجها تنازليا مؤشر الفساد لمنظمة الشفافية العالمية) أو تحسين الظروف المعيشية لمواطنين يعاني ما يقرب من نصفهم من الفقر وغياب خدمات المياه المستدامة وثلثهم من البطالة. بل تتناقص اليوم - على وقع الأزمة الاقتصادية العالمية بما تعنيه من انخفاض في أسعار النفط، وهو أهم الصادرات اليمنية ومحدودية مساعدات التنمية الخارجية وتحويلات العمالة اليمنية في الخليج - موارد الدولة بشدة على النحو الذي دفع الحكومة مؤخرا إلى الحد من الإنفاق العام بنسبة 50 في المائة.
وتواكب مع هذه التطورات السلبية على الأصعدة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية تبلور لحظة استقطابية جديدة في العلاقة بين نظام الرئيس علي عبد الله صالح والمعارضة الرسمية، وكذلك فشل التوجه نحو اعتماد اللامركزية على مستوى المحليات، كما يبدو أن مسار الإصلاح اليوم شبه جامد. وظلت خطط تطبيق اللامركزية المحلية حبيسة خزانة بيروقراطية الدولة من دون تقدم حقيقي، والحصيلة مواجهات خطابية مستمرة بين الحكم والمعارضة واتهامات متبادلة بتعريض الوحدة اليمنية والسلم الأهلي للخطر، يرافقها الحكم بممارسات سلطوية تتمثل في إغلاق بعض الصحف المستقلة والتحقيق مع صحافييها بادعاء تهديد الوحدة وترفض المعارضة على وقعها العودة إلى الحوار الوطني وهو أداتها الوحيدة لفرض التغيير والإصلاح، وهذه الأوضاع كاملة المحيطة باليمن تثير قلقا بالغا لدى الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بشؤونه، بما تمثل من تهديد إقليمي شامل أسوأ مما سببه قراصنة الصومال.
بيد أن قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على الحيلولة دون تحول سيناريو الدولة الفاشلة إلى واقع أليم في اليمن تظل مشروطة بدور قوى الداخل ورجاحة ومسؤولية فعلها السياسي واختياراتها الإستراتيجية. فالحكم والمعارضة الحزبية مطالبان اليوم بالتحرك السريع للتوافق على أجندة وطنية مفرداتها الإصلاح الاقتصادي والدستوري باتجاه تعديل النظام الانتخابي واعتماد اللامركزية المحلية والانفتاح على مطلب حراك الجنوب في إطار الالتزام بدولة الوحدة لاحتواء النفس الانفصالي، وهذا هو مناط إنقاذ اليمن الحقيقي، فهل ينجح الحكم ومعه المعارضة في إنجازه على رغم قتامة الصورة الراهنة؟
اليوم الوحدة اليمنية تواجه مأزقاً رهيباً يستدعي منا جميعا الوقوف في وجه المتربصين بالوحدة في اليمن. وهذا لا يتأتى بالاستقواء بالقوات المسلحة ولا بإعمال جهاز الأمن السري والعلني لتفعيل دور زوار الفجر للنيل من كل صاحب رأي في الوحدة، ولكن بالاستجابة لمطالب الشعب، وتتجلى تلك المطالب في القضاء على الفساد والمفسدين ولو كانوا اقرب الناس إلى فخامة الرئيس.
أخيراً
إن اليمن بحاجة ماسة إلى إصلاح إداري شامل يكون شعاره الرجل المناسب في المكان المناسب، وقضاء مستقل يشغله أكثر الناس علماً وحسن خلق وخوفاً من الله، وكذلك التوزيع العادل للثروة بين المحافظات وإعطاء النصيب الأكبر لأكثر المحافظات تخلفاً في البنية التحتية والتعليم والصحة، وتوزيع المناصب القيادية على مواطني الدولة ذوي الكفاءة والأمانة والانتماء للوحدة اليمنية. إن إدارة الدولة لا يجب أن تكون حكرا لقبيلة أو فئة أو طبقة وإنما يشترك فيها الكل وعلى قدم المساواة. والمحافظة على استمرارية الوحدة وتقوية بنيتها ترتكز على الشعب وحده، ممثلاً بأحزابه الوطنية وكوادرها المؤمنة بالوحدة وقواعد المجتمع المدني.
ختاماً
يجب أن يتم حوار بناء على اتفاق موقّع بين الأحزاب الممثلة في مجلس النواب، ويشمل إصلاح النظام السياسي، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة في ظل أوضاع سياسية ملائمة، عبر تعديلات دستورية وقانون انتخاب جديد ولجنة عليا للانتخابات جديدة، وحكم محلي كامل الصلاحيات دون محاولة القيادة تسييد فئة على أخرى، أو تسامح مع مجموعة من الانتهازيين والفاسدين والطامعين في الإثراء غير المشروع وهو ما يتطلّـب التحوّل بالدولة عن ممالأة ومحاباة الأطُـر التقليدية، التي أضعفتها باستمرار، إلى دولة عصرية وحديثة تقوم على المساءلة والشفافية واحترام القانون .

كوتس
الوحدة اليمنية اليوم تواجه مأزقاً رهيباً يستدعي الوقوف في وجه المتربصين باليمن لا بالاستقواء بالقوات المسلحة وإعمال جهاز الأمن السري والعلني ولكن بالاستجابة لمطالب الشعب

إدارة الــوقــــت

إدارة الــوقــــت
تركي بن فيصل الرشيد
ليس عندي وقت. مشغول جداً. آسف مستعجل جداً. كلمات نسمعها كثيراً. عدد كبير من الذين يتعامل معهم الإنسان في حياته العادية يزعم أنه لا يملك الوقت وكل شخص تقابله يقول لك ليس لدي وقت والشاعر يقول إن دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني. نعم لا يوجد وقت كاف لعمل كل ما نرغب في عمله، هذه هي الحقيقة العارية. ولكن من الضروري التركيز على الأشياء الأكثر أهمية. إذا قمت بذلك في كل من عملك وحياتك الشخصية، فإنك بعد توفيق الله سبحانه وتعالى ستنجز أكثر بإدارة الوقت المتاح. تجنب التوتر الزائد فهو يجعل مهمتك تبدو أصعب مما هي عليه. لا تحاول أن تحصل على الكمال وتقبل عيوب إنتاجك لأنها طبيعة بشرية. الإنسان المنتج المثابر ينجز في أيام ما ينجزه الآخرون في شهور؟ الجميع يملك نفس الوقت المتاح. حرص أحد العلماء على إعطاء تلاميذه درساً عملياً لمعنى الزمن فأحضر أمام جمع غفير من الحاضرين (برطماناً) متوسط الحجم وووضع فيه قطع حجارة في حجم كرات التنس إلى أن أمتلأ البرطمان ثم رفعها أمام أنظار الحضور وسألهم قائلاً: هل امتلأ الإناء فأجاب الجميع بالإيجاب. ثم أخذ حصيات ذات أحجام صغيرة ثم وضعها في البرطمان وسأل الحضور: هل امتلأ فأجاب البعض بأن نعم. ثم أخذ حفنة من التراب الناعم ووملأ بها البرطمان فسألهم: هل امتلأ فأجاب الجميع: نعم. بعد ذلك أخذ كوباً من الماء وصبه في البرطمان وقال: الآن قد إمتلأ البرطمان.إن حجم البرطمان ثابت لم يتغير مثل الزمن المتاح للجميع وهو 24 ساعة فقط هناك اختلاف في كيفية ترتيبه والتعامل معه.الجميع لديهم متطلبات في حياتهم اليومية وهناك متطلبات عملية واجتماعية وشخصية وإنسانية وهي تماثل تماماً ما جاء في المثال الذي ضربه العالم لتلاميذه وهي مثل حجم الحصى والتراب والماء.وهنا سؤال هام يطرح نفسه، كيف نرتب أولوياتنا في هذه الحياة اليومية؟ وتأتينا الإجابة أيضاً من التجربة السابقة، لو وضعنا الحصوات الصغيرة أولاً في (البرطمان) لما تمكنا من وضع الحجارة الكبيرة. وكذلك التراب والماء. إذن ما هي العبرة التي نخرج بها من ذلك؟العبرة أصبحت واضحة وجلية وهي تنظيم وإدارة أوقاتنا الأول فالأول أو الأهم ثم المهم ثم الأقل أهمية. ولو قمنا بتنظيم أوقاتنا لتمكنا من إنجاز الكثير في الوقت المتاح لنا وأصبح لنا وقت إضافي لعمل المزيد.أضع بين يديك هذه الخطوات البسيطة التي يمكنك تطبيقها, في نهاية اليوم اقطع 10 دقائق من وقتك للتحضير لعمل الغد، اكتب قائمة بأولويات اليوم التالي مسبقاً. سيوفر لك هذا وقتاً ثميناً في الصباح.أعط كل مهمة الوقت الكافي لإنجازها، هذه هي الطريقة الصحيحة لإنجاز المهام بنجاح. إنك تحرص دائماً على تنفيذ المهمة بالشكل الصحيح من أول محاولة حتى لا تتعرض لضغوط تسارع الوقت المحدد. فلن تستفيد شيئاً من تكرار العمل مرتين. أبدأ فوراً في التنفيذ. اتخذ شعار قم بعملك الآن. إن لم تبدأ فلن تنتهي. إذا انتظرت الوقت المناسب، فقد تفقد الفرصة كلها. إنجاز بعض الخطوات كل يوم يصل بك إلى تحقيق هدفك. لا تؤجل عملك. قم به في حينه. حاول دائماً أن تطور أداءك في العمل. لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد. اتخذ القرارات بسرعة وحزم. يشترك عدد كبير من الذين صنعوا النجاح في حياتهم في صفة اتخاذ القرار السريع والتمسك به. لا تضع الوقت في التردد. احذر من أن تقع في شراك الأعذار التي تتخذها لإرجاء بعض المهام. هاجم المشكلة معتبراً نفسك سيد الموقف. تذكر أشخاصاً تعرفهم وتعجب بإنجازاتهم. في نهاية الأسبوع سوف تجد أنك أنجزت الكثير مع توفيق الله.ولي رجاء عندك أيها القارئ الكريم إذا نجحت في تطبيق هذه التجربة أن تبادر بإقناع أصدقائك ومن يسعدك نجاحهم في الحياة باتباعها وتطبيقها.ختاماتجربة ناجحة لإدارة الوقت أضعها أمامك عزيزي القارئ: اكتب قائمة مهامك على صفحة واحدة كبيرة، اكتب كل المهام واحرص على الاهتمام بالتسلسل المناسب. بعد تسجيل كل المهام، قسم المهام إلى ثلاث مجموعات مختلفة. عاجل وهام. هام وليس عاجلاً. لا هام ولا عاجل مثل مشاهدة القنوات الفضائية التي تبث الغث من المواضيع والجدل غير المجدي وغيرها من الأشياء التي ليس لها أهمية كثيرة في حياتك.إن العالم الذي نعيش فيه الآن يمر بمرحلة دقيقة تتراوح بين الازدهار الاقتصادي والأزمات المالية والتغيرات السياسة. وقد نشهد صعود نجم دول وأفول نجم أخرى. عزيزي القارئ طبق قول الشاعر الحكيم: إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن الريح عادتها السكون.
نشر في صحيفة الوطن السعودية

السبت، يونيو 13، 2009

الفقر ولغة الأرقام لدينا

الفقر ولغة الأرقام لدينا
تركي فيصل الرشيد

كشف التقرير السنوي لوزارة الشؤون الاجتماعية الذي تم عرضه تحت قبة مجلس الشورى عن وجود 3 ملايين سعودي تحت خط الفقر، وأن حالات الأسر الفقيرة وغير المنتجة تصل إلى 22% من سكان المملكة. بهذا التقرير يكون قد تم الكشف عن أحد الأسرار التي كانت محجوبة لفترة من الزمن، فهل لا يزال لدينا من يشكك أو يكذب وجود فقراء في المملكة؟!
يدعي البعض في حال وجودهم أنهم قلة بحسب تصريحات الكثير من المسؤولين لدينا. وهو ما يكشف بكل أسف عن خلل لدى الكثير.وأتذكر هنا أن معالي وزير الشؤون الاجتماعية سبق أن رد على الكاتب محمد الرطيان في "الوطن" وهو المقيم في محافظة رفحاء الغنية بعدد الأفراد الذين هم تحت خط الفقر بقول معاليه: "إن بعض الإخوان في الصحافة لجؤوا إلى ضرب 650 × 4 (العدد الكلي لحالات الأسر التي يشملها الضمان في المعاشات ‏والمساعدات خلال عام 1428هـ يصل إلى نحو 665.620 ألف أسرة على مستوى البلاد). أؤكد هنا ضرورة ألا يلجأ الإخوة إلى ضرب عدد الأسرة بالمعادلة، فقد يكون العدد 1 أو 2 أو 6 أو 7 وليس بالضرورة أن تؤخذ بهذا الشكل" انتهى. ورأى الوزير أن عدد الفقراء أقل من مليوني شخص لو أُخذت الأمور بالمعيار الدقيق.
استعمل الكاتب الرقم 4 كمتوسط لعدد أفراد كل أسرة، وقد عبر معاليه عن أن هذا أسلوب غير دقيق إلا انه لم يبين لنا الرقم الدقيق، على رغم مطالبته الكاتب بتوخي الدقة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الاعتراف بالمشكلة هو نصف الحل، فلماذا لم يحدد معالي الوزير كم عدد الفقراء لدينا ولا يتركها للتخمين؟ علماً أن تقرير واقع ومستقبل الإسكان في مدينة الرياض الذي وضعته ‏الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أبان أن متوسط حجم الأسرة في المملكة هو 6.3 ‏أشخاص، وتكاد تكون نسبة الفقراء معلومة في معظم دول العالم، فعلى سبيل المثال نسبة الفقراء في سريلانكا 22%، وفي تركيا وإسبانيا 20% وفي تونس 7% وبالمغرب 15%.
وأتذكر عندما كتبت سابقاً عن المسح الميداني الصادر في عام 1420هـ لوزارة الأشغال العامة والإسكان في ثماني مدن رئيسية في السعودية وأن 9% فقط من الأسر القاطنة في هذه المدن يزيد دخلها عن ستة آلاف ريال شهرياً تعرضت إلى الكثير من التشكيك وعدم التصديق من الكثير من الناس على الرغم من اعتذار خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى أهل الشمال وأهل الجنوب بأنهم لم ينالوا حقهم من التنمية، في ظل تقصير بعض المسؤولين فيها.
وكمثال على ذلك يذكر الرواة أنه في عهد الملك فيصل مرت سنة على حائل ( سنة الغرقة ) جاءتهم أمطار أغرقت البيوت، وكانت كلها من الطين، فأرسل الملك فيصل - رحمه الله - لجنة لعمل إحصاء وتقدير لحجم الضرر وإعادة بناء البيوت على مستوى حديث، إلا أن أميرها آنذاك قام بإرجاع اللجنة دون أن تقوم بأي شيء، وقال سوف نبني بيوتنا من الطين بأنفسنا ونحن نريد من الله بيوتاً لنا في الجنة.
أما في الجوف فقد تم اعتماد طريق الجوف - حائل وهو طريق أساسي لربط الشمال بالوسط، ورصدت المبالغ لهذا الغرض، ولكن لأسباب خاصة لم يُنفّذ المشروع على الرغم من رصد المبالغ له وتم استعمال المبالغ فيما بعد لتكملة مشاريع أخرى، ومرت عشرات السنين ولم ينفذ هذا الشريان الهام إلا على يد الملك عبدالله. وقد وصف الأمير عبدالإله الأحوال السيئة لمنطقة الجوف مصرحاً بأن القصور الدائم يكون من المسؤول الذي لا ينقل هموم المواطن، وأن لديه القناعة بأن هناك خللاً ما حدث في مسيرة تنمية المنطقة وتوفير الخدمات الضرورية واللازمة لها، وقصوراً في إيضاح الصورة كاملة للجهات العليا.وكذلك لا ننسى حجم الفقر في إمارة جازان وانتشار الأمراض فيها، ما اضطر الملك عبدالله إلى زيارة المنطقة بنفسه عند انتشار مرض المتصدع فيها.
قدّر خبراء ماليون أعدادَ السعوديين الذين تفوق ثرواتهم حاجز ألف مليون ريال (أوراق مالية فقط) بـ60 ألف ملياردير سعودي من أصحاب الثروات الضخمة، وأن معدل النمو في أعداد هؤلاء الأثرياء يزيد على 8% سنوياً كما تشير مراكز أبحاث دولية متخصصة، كما ارتفع عدد الأثرياء في السعودية من 90 ألف شخص إلى 101 ألف، وتقدر ثرواتهم بنحو 182 مليار دولار، وذلك بحسب تقرير صادر عن إدارة شؤون الثروات في ميريل لينش. وهؤلاء لمجتمعهم عليهم حق كما نموا وبنوا ثرواتهم من خلاله، ويجب أن يكون لهم دور في مكافحة ظاهرة الفقر الذي تتسع رقعته في المملكة.
الفقر يحارب ببرامج واضحة، وأتمنى لو قامت وزارة الشؤون الاجتماعية ببحث لتحديد مؤشر جيني، يقسم المجتمع إلى خمسة أو عشرة أقسام، ثم يحدد حجم استفادة كل شريحة من الدخل القومي. ولكي يتم إنجاح هذه البرامج يجب أن تنشر وبالتفصيل المعلومات الدقيقة لحجم الفقر في المملكة، وهذه أولى خطوات الحل، ولعلنا نسترجع الذاكرة عندما كان يُمنع نشر أخبار أضرار وحجم مشكلات الصرف الصحي وما يعاني منه سكان المنطقة من مرض الوباء الكبدي الناجم عن تسرب مياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية، فبمجرد تغيير الوزارة من أسلوبها ونشر أبعاد وأضرار الصرف الصحي تم عقد جلسة خاصة لمجلس الشورى عن الصرف الصحي وبدأت خطط ومشاريع الصرف الصحي تأخذ حيز التنفيذ.
نعم تأخرت الوزارة كثيراً وأكثر مدن المملكة تعاني من طفح الصرف الصحي وكَثُرت الأمراض بسبب ذلك، فهل ننتظر في عصر يشهد تغييرات اجتماعية واقتصادية لا تستفيد منها إلا مجموعات قليلة في المجتمع على حساب السواد الأعظم من المواطنين إلى أن نفقد السيطرة على حجم كارثة الفقر ولا يُجدي وقتها لوم أو عتب؟!

السبت، يونيو 06، 2009

شبابنا نطالبهم ولا نعطيهم

شبابنا نطالبهم ولا نعطيهم
تركي بن فيصل الرشيد
يعاني شبابنا عدداً من المشكلات كالبطالة وصعوبة الحصول على عمل إضافة إلى المشكلات المادية المعوقة للزواج وحلم تكوين أسرة والاستقرار النفسي أو مواصلة التعليم وكذلك القدرة على الاستثمار الأمثل لوقت فراغهم وغيرها من المشكلات التي تستدعي التركيز على الأولويات والاهتمامات التي تشغل تفكير الشباب وتصوراتهم حول مستقبلهم ومدى رضاهم عن أنفسهم وعن واقعهم وغيرها من التساؤلات الهامة. في هذا السياق وخلال مناظرة بين الشباب في منتدى الغد حول التحديات التي تواجه الشباب وقدرته على التكيف مع المتغيرات العالمية والمتطلبات المرحلية وخلال جلسات مفتوحة مع الشباب والشابات حول رؤاهم وتطلعاتهم ابتدأ المناظرة الطالب مشعل الرشيد بلوم الآباء والعائلة مؤكداً أنهم من الأسباب الرئيسة لما يقع فيه الشباب من مشكلات، كما ختم الطالب سعود الثنيان بأن الشاب يشكل قنبلة موقوتة قد تؤدي به إلى الإرهاب، خصوصاً إذا تم تهميشه.أتفق كثيراً مع كلا الرأيين، ولعل أحد أسباب الرأي الأول في نظري أن أكبر شريحة من الآباء والأمهات هم من مواليد 1360 إلى 1390، هذا الجيل غالبيتهم تحصل على أفضل الفرص في التعليم والوظيفة وتربى على دولة الرفاهية وأن الدولة مسؤولة عن توفير كل شيء لمواطنيها، وعليه تربى أكثر شبابنا اتكالياً على الدولة. وأما الرأي الثاني فأحد أسبابه هو النظرة المريبة والاتهامية التي ينظر بها إلى الشباب في مجتمعنا، حيث يتم التضييق عليه حتى ولو كان في البر، إذ أُوكل إلى أفراد الهيئة وأفراد الشرطة متابعتهم والتضييق عليهم دون إيجاد المتنفس لهم كالنوادي التي تمتص طاقتهم الحركية والفكرية. يجب أن نعي أن لهذه الفئة حريةً من حقها أن تمارسها، خاصة أنها الفئة الأهم في مجتمعنا، وبحسب نتائج دراسة السكان التي أجرتها الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض أخيرا، فإن نسبة من هم أقل من 20 عاما من السعوديين تبلغ 56 %، فيما تبلغ نسبة من هم بين 21 إلى 40 عاماً 30 %، أي إن نسبة من هم دون الأربعين عاما في المملكة 86 % من إجمالي سكان المملكة، ونسبة من هم فوق 40 عاماً 14 %، مع ما يلاحظ من ازدياد معدل النمو السكاني في المملكة، والبالغ (3.7%) سنوياً، والذي يعد من أعلى المعدلات على مستوى العالم، إذ من المتوقع أن يبلغ عدد سكان المملكة في عام 2020 نحو أربعين مليون نسمة. وخلال فعاليات منتدى الغد سعت جامعة اليمامة للمشاركة في هذا المنتدى بفكرة قد تكون فريدة من نوعها، تجاوزت التقليدية في تنظيم الندوات والمؤتمرات، فابتعدت كثيراً عن المحاضرات المباشرة والتنظير المطلق حول قضايا الشباب وقضايا المستقبل، واتجهت نحو الحوار والنقاش وتشجيع المبادرات الشبابية، من خلال القيام بعمل مناظرة بين شباب وشابات جامعة اليمامة، تحت عنوان "الشباب والتنمية"، حيث أثارت هذه المناظرة جدلاً واهتماماً واسعاً بعد أن وجهت الفتيات المشارِكات انتقادات لاذعة للشباب السعودي كاتكاليته واعتماده على كونه من مواطني أكبر دولة نفطية. ورد عليهن فريق الشباب بردود مقنعة، والشهادة أنهم كانوا جميعاً رائعين، ونبرات أصواتهم كانت تدل على الثقة والجهد الكبير في التحضير والإشراف المباشر من الجامعة عليهم، ما يعكس تفاؤلا وصورة تبدو مشرقة لهؤلاء الشباب. وأكدت ذلك رئيسة منتدى الغد رئيسة مجلس إدارة شركة نيارة الأميرة نوف آل سعود وأنه لا مجال للتردد وتفويت الفرص، مشيرة إلى أن الشباب هم الحاضر والمستقبل، فبهم ننجح ونحقق الآمال والطموحات، وأن هدف المنتدى الدوري البناء للغد. وأيضا خلال فعاليات المنتدى كشفت رئيسة مجلس جدة للمسؤولية الاجتماعية ألفت قباني جانباً آخر لا يقل أهمية فيما يخص مشاكل الشباب والشابات عندما أوضحت أن نسبة 86.5 % من الطاقة النسائية السعودية معطلة، إذ لا يتعدى عدد العاملات السعوديات 565 ألفاً من إجمالي 7.4 ملايين سعودية. وقد أوضح البحث الذي أجرته مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في وزارة الاقتصاد والتخطيط في شهر صفر 1429، أن الحاصلات على شهادة البكالوريوس أو الدبلوم يمثلن أعلى نسبة من بين العاطلات السعوديات، حيث بلغت نسبتهن 75.9 %، تليهن الحاصلات على الشهادة الثانوية أو ما يعادلها بنسبة 11.5 %.إنني أدعو المعنيين كافة إلى ضرورة التصدي لقضايا الإرهاب والمخدرات والواسطة وتثقيف الشباب على كافة المستويات والتوسع في إيجاد فرص العمل لهم ومحاصرة البطالة لما لها من آثار اجتماعية ونفسية على الشباب، وتوفير الدورات التدريبية والتأهيلية وتسليحهم بالمهارات لمواكبة سوق العمل وسد العجز في كافة المجالات العلمية والفنية والتقنية لقيادة عجلة التنمية والتقدم، والاستعانة بالعمالة الوافدة في أضيق الحدود، مدركين أن الشاب السعودي لا يقل عن نظيره ولكنه في حاجة إلى الثقة به.أخيرا المشكلات الكبرى التي تواجه العالم العربي أغلبها مشكلات داخلية تتعلق بالقدرة على إدارة البلد وشفافية الإدارة السياسية وتناوب السلطة والتنمية الاقتصادية وإعطاء الشباب قدراً من الأمل وقسطاً من التعليم الجيد. وقد وجدت أن من واجبي كمواطن وكاتب أن أنقل هذه الصورة إلى جميع المسؤولين، حيث إن مشاكل الشباب أصبحت قضية محورية يجب أن نتحلى بالواقعية والمصداقية عند مناقشتها، حيث إن الشعارات التي نتشبث بها هي شعارات استعدائية للآخرين وغير مفيدة لنا، وإثارة مشاعر الاستعلاء قد توفر ضوضاء إعلامية لكنها تخلق أرضية للمزيد من الاضطراب والتشويش وتؤسس لروح العدوان وسياسات الصراع.ختاما يجب أن يتم النظر الجدي لتوصيات هذا المنتدى ويجب على إدارة المنتدى متابعة هذه التوصيات لكي تبرز إلى النور، كذلك تفعيل قرار توظيف النساء حيث تم فيه إلغاء نص عدم جواز الاختلاط والاكتفاء بنص الالتزام بمقتضيات الشريعة، كما أتمنى من صحفنا السعودية كافة تخصيص صفحة أسبوعية للشباب تكون جميع المشاركات بها من الشباب، يعرضون فيها همومهم وأحلامهم ويعبرون عما يريدون بأسلوبهم ويكون دور الصحيفة المراقبة والتنسيق.
نشر في صحيفة الوطن السعودية